ناظر الجيش

118

شرح التسهيل ( تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد )

من علم بحصول مقصوده من هذا العلم جد واجتهد وأقبل على ذلك الشيء ، فهذا الكلام يهز السامع ويجذب الراغب في اقتضاء العلم ، ويحثه على الاستمساك بالكتاب المذكور ، وفي طيه مدحه هذا التصنيف والتفخيم لقدره ، ولهذا أردفه بقوله : ( وليتلقّ بالقبول ما يرد من قبله ) . وأما قوله : ( وليكن لحسن الظّنّ آلفا ولدواعي الاستبعاد مخالفا ) فكأنه - رحمه الله تعالى - لما وصف كتابه بما وصف ، ووعد متأمله بما وعد ، ملزما له بقبول ما يرد عليه منه ، استشعر من النفوس منازعته في هذه الدعوى ، وأنها لا توافق فيما ذكره - بل تستبعد - اشتمال الكتاب على هذه الصفات الجلى . وتنكر أن يرتقي رتبة متأخر في العلم إلى هذا الحد ، فقصد العظة والإرشاد لمن يتلجلج ذلك في صدره ، وأمره بالإلف لحسن الظن ، والمخالفة لما تحدث النفس به من استبعاد صدور مثل ذلك من متأخر . ويجوز أن يكون قوله : ( وليكن لحسن الظّنّ آلفا ) مقصودا به ما قلناه ، وأن يكون قوله : ( ولدواعي الاستبعاد مخالفا ) مقصودا به تحريك طالب العلم ، فهو يحذره أن تتقاعس نفسه مستهولا ما يقدم عليه من المصنفات المعتبرة ، فأمره أن يخالف ما عنده من دواعي الاستبعاد ؛ لأنه إذا استبعد أمرا تقاعد عن تعاطيه فيفوته بسبب ذلك شيء كثير ولا يحصل على طائل . ويرجح هذا المعنى قوله بعد : ( فقلّما حلي متحلّ بالاستبعاد - أي : باستبعاد حصول العلم له - إلا بالخيبة والإبعاد ) ، لكن قوله بعد ذلك : ( وإذا كانت العلوم منحا إلهيّة ) إلى آخره ، يرجح المعنى الأول ( 1 ) ؛ فينبغي التعويل عليه ؛ ليحصل ارتباط الكلام ويكون كله نسقا وعلى هذا يكون المراد بالاستبعاد في كلامه استبعاد لظان وفاء صاحب الكتاب بما التزمه في كتابه المذكور . ( فقلّما حلي متحلّ بالاستبعاد إلّا بالخيبة والإبعاد ) المراد بقلما : النفي ولهذا فرغ العامل معها لما بعد إلا والمعنى : ما حلي متحلّ بالاستبعاد إلا بكذا وكذا .

--> ( 1 ) وهو أنه يجب على طالب العلم ألا يكسل عن طلبه ظانّا منه أنه - وهو متأخر - لن يبلغ به المجد والعلا .